ابن ميثم البحراني
206
شرح نهج البلاغة
وقوله : كلّ واحد منهما حامل ضبّ لصاحبه . أي في صدره غلّ عليه وعمّا قليل يظهر وينكشف ، واستعار لفظ القناع لظاهره الساتر لباطنه ، وذلك مثل يضرب لمن ينافق صاحبه ويظهر له الصداقة مع حسده وعقوقه له في الباطن . والعرب تضرب بالضبّ المثل في العقوق . فيقال : أعقّ من ضبّ . وذلك أنّه ربّما يأكل حسوله . ثمّ أقسم لئن أصابوا بغيتهم لينزعنّ هذا وليأتينّ عليه : أي يسعى كلّ منهم في قتل صاحبه ، وهذا ممّا لا شكّ فيه فإنّ العادة جارية بعدم قيام الأمر برئيسين معا ، وسرّه أنّ الطباع البشريّة متشاحّة على الكمال ويتفاوت ذلك التشاحّ بحسب تفاوت ذلك الكمال في تصوّر قوّته وضعفه ولا شيء في نفوس طالبي الدنيا أعظم من الملك خصوصا في نفس من يعتقد أنّه يقدر على تحصيل الآخرة فيه أيضا فإنّ تحصيل الدنيا والآخرة هي أكمل الكمالات المطلوبة للإنسان . ولا شيء يقاوم هذا المطلوب في النفوس . فهي تسعى في تحصيله بكلّ ممكن من قتل الولد والوالد والأخ . ولذلك قيل : الملك عقيم . وقد نقل عن هذين الرجلين الاختلاف قبل إصابتهما وقبل وقوع الحرب فاختلفا في الأحقّ بالتقديم في الصلاة فأقامت عايشة محمّد بن طلحة وعبد اللَّه بن الزبير يصلَّى هذا يوما وهذا يوما إلى أن ينقضي الحرب . ثمّ إنّ عبد اللَّه بن الزبير ادّعى أنّ عثمان نصّ عليه بالخلافة يوم الدار واحتجّ على ذلك باستخلافه له في الصلاة ، واحتجّ تارة بنصّ صريح ادّعاه . وطلب طلحة أن يسلَّم الناس عليه بالإمرة وأدلى إليها بالسميّة ، وأدلى الزبير بأختها أسماء . فأمرت الناس أن يسلَّموا عليهما بالإمرة ، واختلفا في تولَّى القتال فطلبه كلّ واحد منهما أوّلا ثمّ نكل عنه . وأحوالهم في ذلك ظاهرة . فقوله : قد قامت الفئة الباغية . إشارة إليهم وهم الناكثون الَّذين نقل فيما سبق فيهم الخبر : أمرت أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين . وقوله : فأين المحتسبون وقد سنّت لهم السنن .